شوقي ضيف

266

المدارس النحوية

ودقة أقيسته وتعليلاته ، ومن يقرؤه في كتبه المطبوعة وخاصة الخصائص يحس أن مادة علمه مستمدة من أستاذه ، وكأنه كان قلما في يده يسجّل كل خواطره ولفتاته النحوية والصرفية ، وهي لفتات وخواطر اندفع ينميّها ويضيف إليها من عقله الخصب النادر ما جعله يتقن ظواهر التصريف والنحو علما وفقها وتأويلا وتحليلا ، بل ما جعله يرث إمامة أستاذه ، بل لعله بذّه وخاصة في وضع أصول التصريف على نحو ما يتضح في الخصائص . وأتاحت له رفقته بأبى على أن يتعرف في بلاط سيف الدولة على المتنبي وأن تنعقد بينهما صداقة رفيعة ، فيشرح ديوانه ، حتى إذا توفى رثاه رثاء رائعا احتفظ به القفطي في إنباه الرواة . وأتاحت له تلك الرفقة أيضا أن يحظى برعاية البويهيين وأن تعلو مكانته عندهم . وقد خلف أستاذه في التدريس ببغداد حين لبّى نداء ربه ، وظل يوالى التصنيف والتأليف ، حتى توفى سنة 392 للهجرة . وهو ممن أكثروا من التصنيف حتى بلغت مصنفاته نحو الخمسين ، وبينها مصنفات وقفها على تسجيل كلام أستاذه الفارسي مثل « اللمع وذي القدّ وتأييد تذكرة أبى على » . وله مصنفات مختلفة حول المتنبي تفسيرا لشعره ودفاعا عنه أمام خصومه . ومن أهم مصنفاته كتاب « المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها » وقد نشر منه المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة الجزء الأول . والقسط الأكبر من نشاط ابن جنى إنما كان في علم التصريف ، ودفعته رغبته في التعمق فيه إلى أن يقرأ على أستاذه الفارسي كتاب التصريف للمازنى الذي كان يعدّ أنفس ما ألّف في هذا العلم حتى عصره ، وعمد إلى شرحه في كتابه المنصف الذي نشرته الإدارة العامة للثقافة بالقاهرة في ثلاثة أجزاء ، وفيه يناقش مادته مناقشة واسعة ، مضيفا ما لا يحصى من ملاحظاته الطريفة كملاحظته أن الأفعال قد تشتق من أسماء الأعيان وقوله إننا إذا اشتققنا فعلا من سفرجل قلنا سفرج يسفرج سفرجة ، فهو مسفرج « 1 » ، ومثل ملاحظته أن الأفعال

--> ( 1 ) المنصف : شرح كتاب التصريف للمازنى 1 / 33 .